هل هي قضية فساد في الذوق؟
دون مواربة، يعلن الناقد اليوسف أن القرن العشرين يعاني من فساد في الذوق، ويعطي تبريره قائلاً:
ويبدو أن الذوق العام في القرن العشرين قد عَطَبَه الفساد. ولولا ذلك لما أنتج هذا الركام الضخم من النصوص الروائية التي راجت كما لو أنها أعظم أدب عَرَفَه التاريخ. فليس من شأن أيِّ ذوَّاقة للآداب بوجه عام أن يسوِّغ رواية يولِسِز لجويس، أو مائة عام من العزلة لماركيز، على سبيل المثال؛ كما أن صاحب الذوق المُعافى لن يرى لرواية أولاد حارتنا، أو الحرافيش، أو أمام العرش، أية صلة بالفنِّ الروائيِّ كلِّه، وذلك لأنها بعيدة كلَّ البعد عن الحساسية التي من شأنها أن تتحسَّس الحياة بوصفها قدرة على إنتاج الرفعة والنبل. ومن شأن هذا التحسُّس، إذا ما كان أصليًّا، أن يجعل الروائي واحدًا من رادة الحياة الباطنية المترعة بكلِّ ما هو أصيل وجليل. فما من قيمة إلا لشيء يملك أن يجعل الروح ممتلئة بالسموِّ والجمال في آن معًا.
إن رواية أولاد حارتنا نصٌّ شديد الشهرة، ولكنه، في الوقت نفسه، بعيد جدًّا عن أن يكون ذا قيمة أدبية في نظر من له أدنى خبرة بفنِّ الرواية، أو في نظر الذوَّاقة الحساس؛ بل ربما جاز الزعم بأن روايات نجيب محفوظ كلَّها، أو جُلَّها، لا تملك أن تُقنِع المرءَ بأنها إنجازات فنية ذات شأن كبير. (ص 17-18)
لماذا نقرأ الرواية؟
يجيب اليوسف على هذا السؤال قائلاً:
لكي نعيش تجربة لا تُعاش في الواقع اليومي بتاتًا. فالفنون والآداب من شأنها أن تنتج الشعور بالسموِّ والرفعة، أي بتجاوز التجربة اليومية الخاوية الجوفاء. ولولا هذا الهدف المنعش لما كان للإنسان أن يتأدَّب أو يتفنَّن. (ص 19)
الروايات الجيدة
حسب اليوسف فإن:
[...] الرواية الجيدة هي حقًّا تكثيف شامل للروح الإنساني، أي للقيمة، بما هي لُباب الوجود أو نسغه الداخلي؛ بل بما هي نداء يحضُّ الإنسان على أن يجعل لحياته معنًى، بحيث تصير العيش الذي يستحق أن يُعاش. إن الرواية الجيدة، شأنها في ذلك شأن كلِّ إنجاز نبيل أو أصيل، هي تحية من الروح، أو من الإنسان، يقدِّمها للحياة؛ ولكنها، في الوقت نفسه، إعادة تأسيس للوجدان، أو دعم له، في عالم ساقط يتصدَّع وينهار على الدوام، وذلك بحكم كونها قيمة، أي سندًا من الأسانيد التي تملك أن تدعم الروح. (ص 26)
ومن جهة أخرى، يدلِّل الناقد اليوسف على
أن معيار الشيء لا يتعدَّى وظيفته أو غايته. وبإيجاز، إن قيمة أية رواية إنما تتحدَّد بما تهدف إليه، شريطة أن تكون قد زوَّدتْ نفسَها بشكل ذي أصالة وبأسلوب يتوفر له الحدُّ المقبول من الكمال. وهذا يعني تآزُر الفنِّي والأخلاقي بغية إنتاج الشعور الجليل. (ص 30)
رواية أمريكا اللاتينية
يجيب عن التساؤل الذي يتبادر إلى ذهن القارئ حين يرى إلى أنه تمَّ إغفال ذكر الرواية الأمريكية اللاتينية، فيقول:
لقد تحفَّظ هذا المقال إزاء الرواية في أمريكا اللاتينية، بحيث أغفلها تمام الإغفال؛ وما ذاك إلا لأن الفنَّ الروائي إنجاز أوروبي لم ينجح كثيرًا خارج أوروبا وحدها. فليس من الإجحاف أن يقال بأن الرواية في أمريكا اللاتينية لم تتمكَّن من البلوغ إلى طور النضج بعد؛ بل إنها مازالت بعيدة عن البلوغ إلى الشأو المأمول. وعلى سبيل المثال، لا تزيد رواية مائة عام من العزلة – وهي لماركيز الحائز على جائزة نوبل – عن كونها بنية مصطنعة خالية من القدرة على استقصاء الحياة الباطنية التي هي الموضوع الجوهري لكلِّ أدب أصيل. ولهذا السبب، فإنها لم تملك أن تواظب على الانتشار الشاسع لمدة طويلة. ففي الحق أنها لعبة شكلية، سداة ولحمة. (ص 168)
الرواية العربية
يقول اليوسف:
[...] تحفَّظ هذا المقال إزاء الرواية العربية التي لا ترقى إلى أيِّ مستوى من شأنه أن يضارع مستوى الرواية الأوروبية. فمما هو مغاير لطبع الأشياء أن تتمكَّن هذه المدن المخمَّجة المَدِرَة، المكظوظة بالأوساخ والضوضاء، والرازحة تحت أوزار الاستبداد والبطش القمعي، من أن تنتج أيما أدب جليل أو صالح للانتشار في هذا العالم المنهك بالأجهزة السمعية–البصرية، التي لن يراها الحصيف إلا بوصفها أمارات انحطاط. (ص 169-170)