موقع ادبي مميز تحت ادارة الحسين الشبي
الكتابة ليست نزهة ولالعبا بالكلمات

 

 

 

 

 

 

 أهلا    بكم       في    موقع   الباحث    الحسين     الشبي

ظهرت الرواية الى الوجود عن طريق انفصالها عن الأشكال التقليدية والوضعيات الخيالية، لتمثل الحياة في تنوعها كله».
والاس مارتن: نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم، ص19.
هل تعني الرواية العربية في العصر الحديث بداية حقيقية لظهور النقد الأدبي؟
وهل الرواية هي المسؤولة في الدرجة الأولى عن مقولة: تداخل الأجناس وانفتاحها؟
ثم هل كشفت الرواية عن وجود أزمة ما زالت قائمة في مناهج النقد الأدبي؟
هذه الأسئلة الثلاثة تحتاج الى قراءات موسعة في غير هذه المقالة القصيرة، على أية حال!!
لكن ثمة اشكالية مهمة يطرحها خطابنا الروائي في حيز النقد العربي، هذا النقد الذي تشبع برؤى الشعر وجمالياته والى حد ما برؤى النثر الفني وجمالياته، دون ان يكون هناك رصيد نقدي واضح يخص الخطاب الروائي او الخطاب السردي على وجه العموم، بحكم عدم وجود السياق الفاعل للسرد في تراثنا.
من هنا نشأت الرواية أواخر القرن التاسع عشر داخل غربة جمالية، واستمرت هذه الغربة سمة تلازمها حتى أوائل الستينيات من القرن العشرين.
يمكن الحديث عن اتجاهين بارزين في نقدنا العربي الحديث تجاه التفاعل مع الخطاب الروائي.
الأول: اتجاه تأثر فيه النقاد بالذوق الشعري، فصار الخطاب الروائي لغة أدبية أو غير أدبية، ومضامين واحداث ذات مغزى او بدونه، وهنا لم يكن هناك أية مشكلة تواجه نقاد هذا الاتجاه، اذ لديهم مقدرة على تسطير الصفحات والكتب في الحديث عن اللغة والمضامين في الرواية على طريقة نقاد الشعر، دون ادراك بأن هناك جماليات خاصة بالرواية.
الثاني: اتجاه قرأ النظريات السردية الغربية من اجل ان يطبق بعض اسسها على النص الروائي، فظهرت بعض المحاولات الجادة في بناء النقد السردي الحقيقي، بمعنى انه تم التعامل مع الرواية في هذا الاتجاه بوصفها رواية تستدعي جماليات السرد الخاصة، لا جماليات الشعر، دون نفي العلاقة الحميمة بين الرواية والاجناس الادبية الاخرى، وخاصة العلاقة بالشعر.
وعلى أية حال فإن ظهور الرواية في ثقافتنا الادبية يعد انقلابا جماليا حقيقيا، ربما نرى أبرز ملامحه في الانتقال من المثال والمجرد والشفوي والغنائي والعاطفي.. الى الواقعي والحواري والتاريخي والملحمي والذاكرة المفتوحة لبناء رؤى تشكل العالم في صراعاته وتناقضاته المختلفة.. مما يعني الانتقال الثقافي للنقد من احادية الرؤية والأداة في القصيدة، الى تعددية اللغة والرؤى والجماليات في الرواية المنفتحة على كل ما حولها الى حد وصفها بالنص «الغول» او الهجين او اللعبي او جامع النص، أو المغامرة.. الخ.
على هذا الأساس يغدو الشعر جزءا من الرواية، ولا يمكن في الأحوال الطبيعية أن تعد الرواية جزءا من الشعر الذي ان تحول الى سرد فسد وانهارت جمالياته، وبالتالي ليس مقبولا ان تقرأ الرواية وكأنها قصيدة شعرية الغاية من قراءتها ان يكشف الناقد عن جماليات اللغة الشعرية الشكلية، والدلالات الناتجة عن المضمون في هذه اللغة.

لكن، قد نبرر لقارىء الرواية هذا التعلق بمنظور احالتها الى قصيدة شعرية، وذلك بحكم ان اية قراءة لأي نص هي قراءة مشروعة لوجود ما يزيد على ثلاثين منهجا نقديا في ثقافتنا، يضاف الى ذلك ان النقد نفسه غدا في ظل تطوره وانفتاحه قراءة مفتوحة تبرر لمشروعيتها بما تكتشفه من رؤى وجماليات تعيد انتاج النص انتاجا مغايرا او مختلفا عن الآخر او السائد!!
إلا انه ليس بوسع أية قراءة نقدية مهما كان منهجها ان تدعي القدرة الكاملة على امتلاك اعادة انتاج الرواية نقديا، من هنا فان أية قراءة نقدية جادة للرواية قد تعد مجرد محاولة لإضاءة زاوية مظلمة من زوايا كثيرة تتداخل في نص متشابك ومعقد، هذا ان كانت الرواية تمتلك مستوى النص الروائي الاشكالي الحقيقي!!
وفي ظننا، ايضا ان هناك طريقين لمقاربة الرواية، احداهما غبية، والاخرى ذكية، فالغبية هي ان يحاول الناقد او القارىء ان يقرأ الرواية كاملة، او بالأحرى ان يوهم نفسه والآخرين بأنه قادر على ان ينتج الرواية من بدايتها الى نهايتها في ضوء اشكالياتها الجمالية والرؤيوية، وهنا لا تتجاوز القراءة كونها انطباعية اعلانية لا تتعدى التعريف بالرواية على طريقة التغطية الصحفية المشروعة الى حد ما. اما الطريقة الذكية فهي ان يقيد القارىء نفسه بإشكالية جزئية محددة، يحاول بلورتها من خلال نص الرواية، فيكون بذلك قد قدم لنا جانبا يستحق الاحتفاء به، لأن يفصح في نقده المتخصص عن ذاته بأسلوب جاد، كما انه قد يدلل من خلال اشاراته العديدة الى غنى الرواية بأشياء اخرى يمكن قراءتها على المستوى نفسه من التخصص!!
لاشك ان معظم نقاد الرواية عبروا في مقدماتهم التنظيرية عن الدهشة او الصدمة الكبيرة التي يواجهونها تجاه هذا الخطاب الذي يشعر الناقد انه أكبر من أي منهج نقدي ممكن، أي ان الرواية عصية على الابتذال في النقد، فتبقى الرواية الجيدة بذلك نصا بكرا متجددا رغم القراءات العديدة، فتبدو على هذا النحو اسطورة في تشابكها الداخلي وفي انفتاحها على الآخر، وفي تعددية اجناسها وانفتاح لغتها على الحياة والفن.
لهذا السبب كثر حديث النقاد عن تغييب المنهج او المناهج لصالح جعل الرواية الواحدة تفرض منهجها وقوانينها الجمالية الخاصة بها عن طريق خصوصية اية رواية على حدة، ومع ذلك يمكن ان نتحدث عن اشكال رئيسة في نقد الرواية العربية منذ نشأتها الى اليوم، يمكن تحديدها في الاشكال الخمسة التالية، وذلك بعد استعراض ما يقارب مئتي كتاب في نقد الرواية:
* نظرية الرواية.
* الدراسة الادبية لنشأة الرواية وتطورها.
* قراءة النصوص الروائية.
* قراءة ظاهرة مضمون او فن في الرواية.
* قراءة التجربة الروائية عند الروائي.
وفي هذا السياق ايضا يمكن الحديث عن مناهج كثيرة تناولت الرواية، ابتداء من المنهج التأثري، وانتهاء بنظرية التلقي، مرورا بالدراسة الأدبية او الشعرية.. وقراءة المضامين.. والقراءة الصحفية.. والنقد الاجتماعي.. ومعالجة ظواهر ادبية في الرواية.. والنقد النفسي.. والمنهج الواقعي.. والبنيوية التكوينية .. والحوارية وتعددية المناهج.. والمنهج المنفتح.. والكتابة عبر النوعية.. والنقد الاسلوبي والنقد الثقافي.. وقد درست اللغة، والشخصية، والزمن، والمكان، والحدث، والعقدة، والحوارية والسرد، والتعددية في العلاقات، والرواية الجديدة، وذاكرة السارد.
في ضوء هذه الاشكاليات السردية الجمالية كلها يمكن التفاعل نقديا مع اي خطاب روائي، سواء أكان محليا ام عالميا!! والقارىء الذكي - كما اسلفت - هو من يجعل له مدخلا ما لمقاربة الرواية، حتى لا يجد نفسه في الأرض التيه المستغولة عندما يقرر ان يدرس الرواية كلها، ثم يجد نفسه لم ينجز شيئا!!

النقد ومسؤوليته

بعد أن يُدلي برأيه في الحال التي آلتْ إليها الروايةُ من افتقاد للحرارة التي هي الحياة، يتَّجه الناقد إلى التأكيد على دور النقد ومسؤوليته، حين يقول:

[...] صار لِزامًا على الفكر النقدي أن يمنح الرواية الكثير من جهده واهتمامه، وذلك ابتغاء المساهمة في إنضاجها، ودفعها إلى برهة ازدهارها الكيفي – إن كان الازدهار مازال ممكنًا في هذا الزمن الجانح دومًا صوب المزيد من الانحدار والاتِّضاع، بل حتى صوب تدمير الأسانيد التي يستند إليها المشروع البشري بأسره، أقصد ما كان منها خاصًّا بذات الإنسان، أو بعالمه الجَوَّاني حصرًا.

الحساسية والأدب

ينطلق الأستاذ اليوسف من فهمه للنقد الأدبي، أو حتى للأدب عمومًا، باعتباره قضية فردية تتعلق بحساسية هذا الشخص أو ذاك، إذ يعلن

[...] أن النقد لا يملك البتة أن يكون علمًا موضوعيًّا، كالهندسة أو الفيزياء. فالناس متفاوتون في الحساسية التي هي كل شيء في دنيا الآداب والفنون. فلئن كانت غاية كلِّ إنجاز أدبي أو فنِّي هي التأثير، فإنه لا يؤثِّر إلا بمقدار ما فيه من حساسية أصلية من شأنها أن تستشعر ما يتأبَّى على كلِّ إدراك. يقينًا، إن الحساسية هي درجة حرارة الذات، أو قدرتها على التمثُّل والاحتواء، أو كيفية استجابتها لما في الأعيان من مكنونات تخصُّ الروح أو تتَّجه صوب الوجدان. ومن البدهي أن كلَّ مزاج ناضج لا بدَّ له من أن يكون مأهولاً بزخم الذائقة التي هي القوة المؤهِّلة للتماس مع الفنون والآداب. وما الذائقة إلا الحساسية حين تصطفي النفائس وتضمُّ فحواها إلى بنية الذات. ولهذا، كان لا بدَّ من أن يُعرَض كلُّ شيء على الذوق: فما ارتضاه فهو مقبول؛ وما رفضه فهو مرذول – حتى وإن كان أكثر انتشارًا من شعاع الشمس في رأد الضحى.

هل هي قضية فساد في الذوق؟

دون مواربة، يعلن الناقد اليوسف أن القرن العشرين يعاني من فساد في الذوق، ويعطي تبريره قائلاً:

ويبدو أن الذوق العام في القرن العشرين قد عَطَبَه الفساد. ولولا ذلك لما أنتج هذا الركام الضخم من النصوص الروائية التي راجت كما لو أنها أعظم أدب عَرَفَه التاريخ. فليس من شأن أيِّ ذوَّاقة للآداب بوجه عام أن يسوِّغ رواية يولِسِز لجويس، أو مائة عام من العزلة لماركيز، على سبيل المثال؛ كما أن صاحب الذوق المُعافى لن يرى لرواية أولاد حارتنا، أو الحرافيش، أو أمام العرش، أية صلة بالفنِّ الروائيِّ كلِّه، وذلك لأنها بعيدة كلَّ البعد عن الحساسية التي من شأنها أن تتحسَّس الحياة بوصفها قدرة على إنتاج الرفعة والنبل. ومن شأن هذا التحسُّس، إذا ما كان أصليًّا، أن يجعل الروائي واحدًا من رادة الحياة الباطنية المترعة بكلِّ ما هو أصيل وجليل. فما من قيمة إلا لشيء يملك أن يجعل الروح ممتلئة بالسموِّ والجمال في آن معًا.

إن رواية أولاد حارتنا نصٌّ شديد الشهرة، ولكنه، في الوقت نفسه، بعيد جدًّا عن أن يكون ذا قيمة أدبية في نظر من له أدنى خبرة بفنِّ الرواية، أو في نظر الذوَّاقة الحساس؛ بل ربما جاز الزعم بأن روايات نجيب محفوظ كلَّها، أو جُلَّها، لا تملك أن تُقنِع المرءَ بأنها إنجازات فنية ذات شأن كبير. (ص 17-18)

لماذا نقرأ الرواية؟

يجيب اليوسف على هذا السؤال قائلاً:

لكي نعيش تجربة لا تُعاش في الواقع اليومي بتاتًا. فالفنون والآداب من شأنها أن تنتج الشعور بالسموِّ والرفعة، أي بتجاوز التجربة اليومية الخاوية الجوفاء. ولولا هذا الهدف المنعش لما كان للإنسان أن يتأدَّب أو يتفنَّن. (ص 19)

الروايات الجيدة

حسب اليوسف فإن:

[...] الرواية الجيدة هي حقًّا تكثيف شامل للروح الإنساني، أي للقيمة، بما هي لُباب الوجود أو نسغه الداخلي؛ بل بما هي نداء يحضُّ الإنسان على أن يجعل لحياته معنًى، بحيث تصير العيش الذي يستحق أن يُعاش. إن الرواية الجيدة، شأنها في ذلك شأن كلِّ إنجاز نبيل أو أصيل، هي تحية من الروح، أو من الإنسان، يقدِّمها للحياة؛ ولكنها، في الوقت نفسه، إعادة تأسيس للوجدان، أو دعم له، في عالم ساقط يتصدَّع وينهار على الدوام، وذلك بحكم كونها قيمة، أي سندًا من الأسانيد التي تملك أن تدعم الروح. (ص 26)

ومن جهة أخرى، يدلِّل الناقد اليوسف على

أن معيار الشيء لا يتعدَّى وظيفته أو غايته. وبإيجاز، إن قيمة أية رواية إنما تتحدَّد بما تهدف إليه، شريطة أن تكون قد زوَّدتْ نفسَها بشكل ذي أصالة وبأسلوب يتوفر له الحدُّ المقبول من الكمال. وهذا يعني تآزُر الفنِّي والأخلاقي بغية إنتاج الشعور الجليل. (ص 30)

رواية أمريكا اللاتينية

يجيب عن التساؤل الذي يتبادر إلى ذهن القارئ حين يرى إلى أنه تمَّ إغفال ذكر الرواية الأمريكية اللاتينية، فيقول:

لقد تحفَّظ هذا المقال إزاء الرواية في أمريكا اللاتينية، بحيث أغفلها تمام الإغفال؛ وما ذاك إلا لأن الفنَّ الروائي إنجاز أوروبي لم ينجح كثيرًا خارج أوروبا وحدها. فليس من الإجحاف أن يقال بأن الرواية في أمريكا اللاتينية لم تتمكَّن من البلوغ إلى طور النضج بعد؛ بل إنها مازالت بعيدة عن البلوغ إلى الشأو المأمول. وعلى سبيل المثال، لا تزيد رواية مائة عام من العزلة – وهي لماركيز الحائز على جائزة نوبل – عن كونها بنية مصطنعة خالية من القدرة على استقصاء الحياة الباطنية التي هي الموضوع الجوهري لكلِّ أدب أصيل. ولهذا السبب، فإنها لم تملك أن تواظب على الانتشار الشاسع لمدة طويلة. ففي الحق أنها لعبة شكلية، سداة ولحمة. (ص 168)

الرواية العربية

يقول اليوسف:

[...] تحفَّظ هذا المقال إزاء الرواية العربية التي لا ترقى إلى أيِّ مستوى من شأنه أن يضارع مستوى الرواية الأوروبية. فمما هو مغاير لطبع الأشياء أن تتمكَّن هذه المدن المخمَّجة المَدِرَة، المكظوظة بالأوساخ والضوضاء، والرازحة تحت أوزار الاستبداد والبطش القمعي، من أن تنتج أيما أدب جليل أو صالح للانتشار في هذا العالم المنهك بالأجهزة السمعية–البصرية، التي لن يراها الحصيف إلا بوصفها أمارات انحطاط. (ص 169-170)