الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين : حزب يشايع أولئك ، وحزب يناصر هؤلاء ! أليس في القرآن سورة تسمى الروم وتبتدئ بهذه الايات : (آلم غابت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) .
لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين ؛ فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الروم والفرس . وهو يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ..) وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم ، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس .
وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة . ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه البلاد ! وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر . فلم يكونوا إذن معتزلين ، ولم يكونوا إذن بنجوة من تأثير الفرس والروم والحبش والهند وغيرهم من الأمم المجاورة لهم . لم يكونوا غير دين ولم يكونوا جهالا ولا غلاظا ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى ، كذلك يمثلهم القرآن .
وإذا كانوا أصحاب علم ودين ، وأصحاب ثروة وقوة وبأس ، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها ، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية لا أمة جاهلة همجية . وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلية همجية !
أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الجاهلي ! أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين !
يبقى من الباقين غابر (20)
ايقنت اني لا محالة
حيث صار القوم صائر (21)
توفي ابن ساعدة سنة 600 للميلاد .
تعليقات:
1. اتحاف الامجاد / محمود شكري الآلوسي: ص66 .
2. ديوان المهلهل / شرح انطوان القوال: ص91 . شعراء النصرانية قبل الاسلام / الاب ليوس شيخو: ص166 .
3. تاريخ الادب العربي / الدكتور عمر فروخ: ج1، ص111 .
4. ديوان الحماسة / شرح يحيى التبريزي الخطيب: ج1، ص14 . تاريخ الادب العربي: ج1، ص101 . شرح ديوان حماسة ابي تمام / تحقيق: الدكتور حسين محمد نقشه: ج1، ص28 . الذخائر والعبقريات / عبدالرحمن البرقوتي: ج2، ص232 .
5. شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي / الدكتور يوسف خليف: ص26 .
6. الايراق: من الارق .
7. طراق: اي يطرقنا ليلا .
8. العذر: اللجام .
9. ذا جناح خفاق: طائر سريع الطيران .
10. الريد: الجبل .
11. ديوان تابط شرا / اعداد: طلال حرب: ص49 . تاريخ الادب العربي: ج1، ص109 .
12. ديوانعروة بن الورد / جمع وشرح: كرم البستاني: ص45 . الذخائر والعبقريات: ج1، ص232 .
13. ديوان السموال / تحقيق: الدكتور واضح الصمد: ص34 .
14. الجامع في تاريخ الادب العربي / حنا الفاخوري: ص283 . ديوان السموال: ص66 . ديوان المروءة / شرح: الدكتور يوسف شكري فرحات: ص33 . دراسات في الشعر العربي المعاصر / الدكتور شوقي ضيف: ص184 . ثمرات الاوراق / علي بن محمد بن حجة الحموي: ص242 . ديوان عروة والسموال / جمع وشرح: كرم البستاني: ص90 .
15. البيان والتبيين / عمرو بن بحر الجاحظ: ص25
9- الوقوف والتباكي على الاطلال: لقد اطال بعض الشعراء الوقوف والبكاء في شعرهم .
10- شعراء الاساطير والخرافات: الاساطير المختلفة والروايات المتناقضة كانت تاتي من شرق وغرب العالم العربي .
ظهور الشعر الجاهلي:
و يشمل:
1- شعراء الفرسان .
2- شعراء الصعاليك .
3- شعراء آخرون .
1- شعراء الفرسان: نحن نعلم بان شاعر القبيلة هو لسانها الناطق وعقلها المفكر والمشير بالحق والناهي الى المنكر ، فكيف اذا جمع له الشعر والفروسية فهو صورة صادقة لتلك الحياة البدوية ، حيث كان يتدرب على ركوب الخيل ، ويشهر سيفه ، ويلوح برمحه ، فمن هؤلاء الشعراء:
- المهلهل .
- عبد يغوث .
- حاتم الطائي .
- الفند الزماني (فارس ربيعة) .
المهلهل
هو عدي بن ربيعة التغلبي ، خال امرؤ القيس ، وجد عمرو بن كلثوم . قيل انه من اقدم الشعراء الذين وصلت الينا اخبارهم واشعارهم ، وانه اول من هلهل الشعر ولذلك قيل له المهلهل .
كان له اخ اسمه كليب رئيس جيش بكر وتغلب . كليب قتل ناقة البسوس ثم قتل كليب ، ونشبتحرب البسوس بين بكر وتغلب ، دامت اربعين سنة .
المختار من شعره: واكثر شعر المهلهل هو في رثاء اخيه كليب ، حيثيقول:
كليب لا خير في الدنيا و من فيها
ان انتخليتها في من يخليها
نعى النعاة كليبا لي فقلت لهم
سالتبنا الارض او زالت رواسيها
ليت السماء على من تحتها وقعت
وحالت الارض فانجابتبمن فيها (2)
ومن مراثيه المشهورة في اخيه:
اهاج قذاء عيني الادكار
هدوءا فالدموع لها انحدار
و صار الليل مشتملا علينا
كان الليل ليس له نهار
دعوتك يا كليب فلم تجبني
و كيف يجيبني البلد القفار
وانك كنت تحلم عن رجال
وتعفو عنهم ولك اقتدار (3)
توفي المهلهل عام 92 ق . ه / 530م .
الفند الزماني
اسمه شهل بن شيبان ، احد فرسان ربيعة المشهورين ، شعره قليل ، سهل ، عذب ، واكثره في الحماسة التي يتخللها شيء من الحكمة ، وحينما اضطر الى الخوض في حرب البسوس ، قال:
صفحنا عن بني ذهل
وقلنا القوم اخوان
عسى الايام ان يرجعن
اقواما كما كانوا
فلما صرح الشر
وامسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوان
دنا لهم كما دانوا
وفي الشر نجاة حين
لا ينجيك احسان (4)
توفي الفندالزماني سنة 92ق . ه .
2- شعراء الصعاليك: جمع صعلوك ، وهو - لغة - الفقير الذي لا مال له . اما الصعاليك في عرف التاريخ الادبي فهم جماعة من شواذ العرب وذؤبانها ، كانوا يغيرون على البدو والحضر ، فيسرعون في النهب; لذلك يتردد في شعرهم صيحات الجزع والفقر والثورة ، ويمتازون بالشجاعة والصبر وسرعة العدو ، وحين نرجع الى اخبار الصعاليك نجدها حافلة بالحديث عن الفقر ، فكل الصعاليك فقراء لا نستثني منهم احدا حتى عروة بن الورد سيد الصعاليك الذين كانوا يلجئون اليه كلما قست عليهم الحياة ليجدوا ماوى حتى يستغنوا ، فالرواة يذكرون انه كان صعلوكا فقيرا مثلهم (5) ، ومن هؤلاء:
- الشنفري الازدي .
- تابط شرا .
- عروة بن الورد .
تابط شرا
اسمه ثابتبن جابر . وسبب لقبه انه اخذ ذات يوم سيفا تحت ابطه وخرج ، وكان تابط شرا من الصعاليك حاد البصر والسمع يلحق بالخيل ، ويغزو على رجليه ، وانه مات قتيلا .
واكثر شعره في الحماسة والفخر ، ومن شعره في الفخر:
يا عبد ما لك من شوق وايراق (6)
ومر طيف على الاهوال طراق (7)
لا شيء اسرع مني ليس ذا عذر (8)
وذا جناح (9) بجنبالريد (10) خفاق (11)
توفي الشاعر تابط شرا عام 530 للميلاد .
عروة بن الورد
عروة بن الورد من بني عبس ، وكان من فرسان العرب ، كان كريم الاخلاق عفيفا صادقا وفيا بالعهود ، وقد فضله بعضهم على حاتم في الكرم .
واكثر شعره في الفخر والحماسة والنسيب . قال في الحث على الاغتراب في طلب الغنى:
ذريني للغنى اسعى فاني
رايت الناس شرهم الفقير
وابعدهم واهونهم عليهم
وان امسى له حسب وخير (12)
توفي ابن الورد سنة 596 للميلاد .
3- شعراء آخرون: وهناك افراد من الشعراء في يثرب وغيرها من مدن الحجاز والجزيرة العربية اعتنقوا اليهودية كالسموال بن عاديا ، او النصرانية كقس بن ساعدة .
السموال
هو السموال بن عاديا صاحب الحصن المعروف ، والعرب كانوا ينزلون عند السموال ضيوفا لان السموال عالي اللهجة وسريع النجدة . وسبب ضرب المثل عند العرب في قولهم «اوفى من السموال» يعود الى امرئ القيس التجا الى السموال فاودعه درعه واسلحته وابنته وذهب الى القسطنطينية ليستنجد بقيصر الروم ويساله النصر على قتلة ابيه ، وفي هذه الاثناء اسر ابن السموال الذي كان في الصيد من قبل المنذر ، فطلب المنذر من السموال ان يسلم الدرع والسلاح وابنة امرؤ القيس والا يضرب عنق ابن السموال ، فابى السموال ذلك فنفذ المنذر وعيده (13) . ومن يطلع على سيرة السموال يحس شرفا واباء بالاضافة الى اندفاعه الى المجد والفخر ، وله قصيدة لامية مشهورة ، يدعو الى الاخذ بالمتعة والحياة دون التفكير فيها ولا في آلامها ، ومما جاء فيها قوله:
اذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه
فكل رداء يرتديه جميل
تعيرنا انا قليل عديدنا
فقلت لها ان الكرام قليل
وما ضرنا انا قليل وجارنا
عزيز وجار الاكثرين ذليل
وننكر ان شئنا على الناس قولهم
ولا ينكرون القول حين نقول
اذا سيد منا خلا قام سيد
قؤول لما قال الكرام فعول
وما اخمدت نار لنا دون طارق
ولا ذمنا في النازلين نزيل
سلي ان جهلت الناس عنا وعنهم
وليس سواء عالم وجهول (14)
توفي ابن عاديا سنة 560ه . ق .
قس بن ساعدة الايادي
هو اسقف نجران ، وكان خطيبها البارع وحكيمها ، ويتصف بالزهد في الدنيا ، وكان يحضر سوق عكاظ ويلقي الشعر .
يروى ان النبي صلى الله عليه وآله راى قس في سوق عكاظ على جمل احمر وهو يقول (15) :
«ايها الناس ، اسمعوا وعوا انه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت . . . آيات محكمات: مطر ونبات وآباء وامهات ، وذاهب وآت ، ضوء وظلام ، وبر وآثام ، لباس ومركب ، ومطعم ومشرب ، ونجوم تمور (16) ، وبحور لا تغور (17) ، وسقف مرفوع ، وليل داج (18) ، وسماء ذاتابراج (19) ، ما لي ارى الناس يموتون ولا يرجعون . . . يا معشر اياد اين ثمود وعاد ؟ واين الآباء والاجداد ؟
ومن نوادر شعره:
وفي الذاهبين الاولين
من القرن لنا بصائر
لما رايت مواردا
للموت ليس لها مصادر
ورايت قومي نحوها
يمضي الاصاغر والاكابر
لا يرجع الماضي ولا
يبقى من الباقين غابر (20)
ايقنت اني لا محالة
حيث صار القوم صائر (21)
توفي ابن ساعدة سنة 600 للميلاد .
تعليقات:
1. اتحاف الامجاد / محمود شكري الآلوسي: ص66 .
2. ديوان المهلهل / شرح انطوان القوال: ص91 . شعراء النصرانية قبل الاسلام / الاب ليوس شيخو: ص166 .
3. تاريخ الادب العربي / الدكتور عمر فروخ: ج1، ص111 .
4. ديوان الحماسة / شرح يحيى التبريزي الخطيب: ج1، ص14 . تاريخ الادب العربي: ج1، ص101 . شرح ديوان حماسة ابي تمام / تحقيق: الدكتور حسين محمد نقشه: ج1، ص28 . الذخائر والعبقريات / عبدالرحمن البرقوتي: ج2، ص232 .
5. شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي / الدكتور يوسف خليف: ص26 .
6. الايراق: من الارق .
7. طراق: اي يطرقنا ليلا .
8. العذر: اللجام .
9. ذا جناح خفاق: طائر سريع الطيران .
10. الريد: الجبل .
11. ديوان تابط شرا / اعداد: طلال حرب: ص49 . تاريخ الادب العربي: ج1، ص109 .
12. ديوانعروة بن الورد / جمع وشرح: كرم البستاني: ص45 . الذخائر والعبقريات: ج1، ص232 .
13. ديوان السموال / تحقيق: الدكتور واضح الصمد: ص34 .
14. الجامع في تاريخ الادب العربي / حنا الفاخوري: ص283 . ديوان السموال: ص66 . ديوان المروءة / شرح: الدكتور يوسف شكري فرحات: ص33 . دراسات في الشعر العربي المعاصر / الدكتور شوقي ضيف: ص184 . ثمرات الاوراق / علي بن محمد بن حجة الحموي: ص242 . ديوان عروة والسموال / جمع وشرح: كرم البستاني: ص90 .
15. البيان والتبيين / عمرو بن بحر الجاحظ: ص25
شعر الجاهلية.. ميراث العرب الثمين
إلى أغراض الشعر، ونرى بعضًا مما فيها مما قد يصادم فكر من كره الجاهلية كلها وملابساتها وما تعلق بها من حلال أو حرام ومن ذلك الشعر.
(4) ويأتي العامل الأهم والأفدح وهو تعرض التراث الإسلامي لحملات شرسة من أعداء الحضارة الإسلامية: الشعوبية من جهة والتتر في مذبحتهم الشهيرة للمكتبة الإسلامية العامرة من جهة أخرى (يذكر أنهم حين عبروا نهر الفرات وضعوا كميات الكتب الهائلة التي حوتها مكتبة بغداد في النهر كي تعبر عليها خيولهم حتى تحول النهر سوادًا لأيام طوال)، مما أدى إلى دمار المخزون الثقافي الهائل الذي كانت تحويه عاصمة الخلافة العباسية آنذاك.
أغراض الشعر العربي الجاهلي
أولاً: الوصف:
لقد أحاط الشاعر الجاهلي في أوصافه بجميع مظاهر البيئة، فوصف كل ما يخطر على باله وما يتراءى أمامه من مولدات شعورية، فحين يصف "عميرة بن جُعل" ديار الحبيبة الداثرة يبدع فيقول:
قِفارٌ مَروراةٌ يَحَارُ بهـا القطـا
يظلّ بها السبعـان يعتركـان
يثيران من نسج التراب عليهما
قميصيـن أسماطًا ويرتديـان
وبالشَّرف الأعلى وحوش كأنها
على جانب الأرجاء عُوذُ هجان
فهذه الصورة الكلية الرائعة التي رسم فيها الشاعر كيف تحولت ديار نبضت بالحياة والحب وصبوة الشباب إلى ديار آوت الوحوش والسباع حتى أن الطيور تتوه فيها، وتلكم الضواري تصطرع والأتربة تتصاعد بينهما فتحيل المروج الخضراء قفارًا لا تعني إلا الموت والخراب، والخلفية الدرامية المفجعة لوحوش تشاهد الصراع وهي فوق الجبال، وقد بلغت لضخامتها مبالغ مذهلة.
ثانيًا: الغزل:
وقد اختص الشاعر قصائد بعينها وأوقفها على الغزل وذكر النساء، وفي أحيان أخرى كان يجعل الغزل في مقدمة القصيدة بمثابة الموسيقى التمهيدية للأغنية، توقظ مشاعر المبدع والسامع فتلهب الأحاسيس، وتؤجج العواطف، ورغم السمة العامة للغزل وهو الغزل الصريح المكشوف الذي يسعى للغريزة أول ما يسعى، فإن المثير أن يعجب بعض الشعراء الصعاليك (الشنفرى) بحسن أدب المرأة وأخلاقها العالية فيصفونها:
"لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعهـا * إذا ذكرت ولا بذات تلفت
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه * على أمها وإن تكلمك تبلَّت
تبيت بُعيد النوم تهدي غبوقهـا * لجارتها إذا الهدية قلت
أميمة لا يخزى نثاهـا حليلهـا * إذا ذكر النسوان عفَّت وجلت
تحل بمنجـاة من اللـوم بيتهـا * إذا ما بيوت بالمذمة حلت]
فهو يعجبه فيها حرصها على حجابها أنها لا تلتفت في مشيتها لشدة أدبها، وهي من شدة نظرها في الأرض وخجلها كأن لها شيئًا مفقودًا تبحث عنه، وإذا تحدثت إلى غريب ضاع منها الكلام وتعثر، وإذا ما أجدب الخير أهدت طعامها لجاراتها؛ ولذا فزوجها يثق فيها ويفخر حين تُذكر نساء الحي، فالبيوت إذا ذمت لنسائها ينجو بيته من اللوم لجلال أدب زوجته.
ثالثـًا: الرثاء:
وعاطفة الشاعر البدوية الفطرية كانت شديدة التوهج، فإن أحب هام وصرَّح وما عرف للصبر سبيلاً، وإن حزن فبكاء ونحيب حتى يملأ الدنيا عويلاً، وكلما جفت الدموع من عينيه استحثها لتسح وتفيض.
ومضرب المثل في الرثاء صخر أخو الخنساء الذي رثته أبياتًا، وبكته أدمعًا ودماءً، تقول الخنساء:
أعيني جـودا ولا تجمـدا ألا تبكيان لصخر الندى؟
ألا تبكيان الجريء الجميل؟ ألا تبكيان الفتى السيـدا؟
وهي ترجو (صخرًا) ألا يشعر بألم تجاه عينيها الذابلتين من البكاء وتلتمس لهما العذر:
ألا يا صخر إن بكَّيت عينـي لقد أضحكتني زمنًا طويـلاً
دَفَعْتُ بك الخطوب وأنت حي فمن ذا يدفع الخطب الجليلا؟
إذا قبح البكـاء علـى قتيـل رأيت بكاءك الحسن الجميلا
رابعًا: الفخر:
كان الجاهلي إذا فخر فجر … هكذا قالوا…
فانتماء الجاهلي لعشيرته وعائلته أمر مقدس، وعوامل ذلك متعددة منها: طبيعة الحياة القاسية التي عاناها العربي مما جعله يعتصم بقوة أكبر منه ويتحد معها؛ ليتحصن من صراع الحياة البدائية المريرة، مما جعل عمرو بن كلثوم يقول بملء فيه:
وأنـا المنعمون إذا قدرنا وأنا المهلكون إذا أتينا
وأنـا الحاكمون بما أردنا وأنا النازلون بحيث شينا
وأنـا النازلـون بكل ثغـر يخاف النازلون به المنونا
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا
ألا لا يجلهن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا كذاك البحر نملؤه سفينًا
إذا بلغ الرضيع لنا فطامًا تخر له الجبابر ساجدينا
لنا الدنيا وما أمسى علينا ونبطش حين نبطش قادرينا
خامسًا: الهجاء:
والهجاء المقذع عندهم يزكم الأنوف، ويعشو العيون، ولكنَّ لهم هجاء طريفًا ومنه التهديد والوعيد بقول الشعر الذي تتناقله العرب، فيتأذى منه المهجو أكثر من التهديد بالقتل، وكان الهجاء سلاحًا ماضيًا في قلوب الأعداء فهم يخافون القوافي والأوزان أكثر من الرماح والسنان.
يقول مزرد بن ضرار:
فمن أرمه منها ببيت يَلُح به كشامة وجه، ليس للشام غاسلُ
كذاك جزائي في الهدى وإن أقل فلا البحر منزوح ولا الصوت صاحل
فهو يشبه قصيدته بالشام في الوجه لا يُتخلص منه، وهذا طبعه في الهدايا، وإن الشعر عنده لا ينفد كما أن البحر لا ينفد، والصوت لا يُبح ولا ينقطع.
والأدهى من ذلك أن كان غلام لخالد الذبياني يرعى الإبل فغصبها (آل ثوب) منه فرجع يبكي إلى سيده فذهب خالد إلى مزرد بن ضرار الذبياني، فقال: إني أضمن لك إبلك أن تُرد عليك بأعيانها وأنشأ هجاءً يقول:
فإن لم تردوها فإن سماعها
لكم أبدًا من باقيات القلائد
فيا آل ثوب إنما ظلم خالد
كنار اللظى لا خير في ظلم خالد
فما لبث (آل ثوب) أن ردوا الإبل قائلين:
لئن هجانا مزرد لقد هجتنا العرب أبد الدهر.
سادسًا: المدح:
ومن رواده زهير بن أبي سلمى وكان لا يمدح إلا بالحق، وكذا النابغة الذبياني الذي تخصص في مدح العظماء والملوك راغبًا في العطاء السخي، ومنهم "الأعشى" وكان سكيرًا مغرمًا بالنساء لا يهمه من يمدح ما دام يعطيه، وقد أنفق كل ما أعطى على خمره ونسائه.
قال زهير في مدح حصن بن حذيفة:
وأبيض فياض يداه غمامـة على معتفيه ما تغب فواضـله